Malper di ber nêrînên Nivîskaran de ne berpirsiyare


الأكراد قد يتجهون بتحالفاتهم شمالاً!؟... العراق بعد الاتفاق الأمني الأخير مع أميركا

بكر صدقي     الحياة     - 02/12/08//

لا يبدو أن العراقيين يملكون خيارات كثيرة غير التصديق النهائي، في البرلمان، على الاتفاق الأمني مع الولايات المتحدة، وهو ما فعلوه، بعدما وافق مجلس الوزراء عليها وتم التوقيع بصورة مبدئية بين الجانبين. وإذا كانت الاتفاقية هذه قد وضعت حداً زمنياً واضحاً لنهاية الاحتلال، فهي عاجزة عن ضمان العراق ما بعده. فإلى جانب المشكلة الأمني التي لا يمكن التفاؤل بحل قريب لها، ثمة مشكلات أكثر تعقيداً يمكن إجمالها باستعصاء ولادة الوطنية العراقية، والتمثيل الرمزي لها بمشكلة كركوك.

مسعود البارزاني الذي أعلن عن ترحيبه باستضافة المنطقة الكردية لقواعد عسكرية أميركية دائمة، في غضون النقاشات الصاخبة حول الاتفاقية الأمني، مدفوع إلى ذلك، ولا بد، بالقلق مما بعد نهاية العام 2011، الموعد المحدد للانسحاب النهائي للقوات الأميركية من العراق. فالزعيم الكردي المخضرم يدرك أن رحيل الأميركيين يعني وضع المنطقة الكردية على كف عفريت العروبة المستعادة عند المالكي أو أي قيادة شيعية يمكن أن تحل محله. من المرجح أن شهر العسل الكردي – الشيعي ضد السنة المحسوبين على النظام البائد قد انتهى إلى التناقض بين عرب العراق بشيعته وسنته (المدعومين من الحليفين الإقليميين إيران وسورية على التوالي) وأكراده المهددين اليوم برحيل حليفهم الوحيد، أي القوات الأميركية. هذا ما يمكن أن نترجم إليه تصريح البارزاني الأخير بأن «الأكراد باتوا، بعد الاتفاقية الأمني، بين أربعة جدران»!

نعم، لم يكسب الأكراد، في المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام صدام حسين، أي حليف أو صديق يمكن أن يملأ الفراغ: إيران ضدهم لأنهم «الطفل المدلل» للاحتلال الأميركي الذي تستهدفه، فضلاً عن مشكلتها الكردية الخاصة؛ وسورية ضدهم للأسباب نفسها، إضافة إلى التشويش الذي يشكلونه لها في سياق الحلم باستعادة ما يسمى بالدور الإقليمي الذي يشكل رأس المال الأساس لديمومة النظام في القبض على الداخل غير المضمون بسبب افتقاده فيه لأي شرعية؛ وتركيا ضدهم بسبب التحدي الذي يشكله كيانهم الفيدرالي في وجه المفهوم الموروث عن أتاتورك لـ»الدولة - الأمة» القائمة على عنصري التركية والإسلام السني، مهما تبجح النظام بعلمانيته أو بمفهوم حديث للأمة قائم على المواطنة، قبل المزاعم التي تتذرع بوجود مقاتلي حزب العمال الكردستاني على أراضي الكيان الفيدرالي قيد الإنشاء.

لقد شكل تشجيع الأميركيين لتأسيس مجالس الصحوة السنية، بهذا المعنى، تحطيماً للتحالف الشيعي – الكردي، وفتح المجال أمام تحالف جديد شيعي – سني ضد الأكراد. إنها السنّة العراقية منذ اصطناع هذه الدولة قبل نحو قرن، كأنما لا يستقيم لها الأمر إلا بتناقض بعضه وبعضه. وهكذا سوف يستعيد السنة رشدهم العروبي ويقنعون بالدور الثاني في دولة عربية بقيادة شيعية، تكون جسر التواصل بين العرب وإيران، ومتحالفة مع الولايات المتحدة، وعلى علاقة طيبة مع تركيا. إنه وضع استراتيجي بالغ الخصوبة والحيوية، إذا أضفناه إلى الثروة البترولية الكبيرة، أمكننا تخيل مستقبل واعد للدولة الناشئة... لولا «النتوء الكردي»!

إزاء انسداد الآفاق أمام الأكراد، ليس من المستبعد أن يلجأ الأكراد إلى التقارب مع الجارة الشمالية، خاصةً أن التواشج الاقتصادي والتجاري معها قد أوغل عميقاً في غضون العقدين الأخيرين، ولا تخفي تركيا أطماعها في «التركة الأميركية»، بل يكاد يكون من طبيعة الأمور أن تلجأ إلى ملء الفراغ الذي سينجم برحيل القوات الأميركية، لموازنة الدور الإيراني الذي سيزداد ثقلاً. ويتلاقى التوق هذا، العثماني اللون، مع مخاوف المحيط العربي الأوسع من تعاظم الدور الإيراني.

غير أن طريقة تعامل تركيا تقليدياً مع الشأن الكردي، الداخلي منه والعراقي المجاور معاً، لا تشجع على توقع تغيير حاسم في هذا المجال، ما دامت سياسة إنكار الهوية الكردية هي السائدة لدى النخب الحاكمة وفي وعي قسم كبير من الرأي العام الشعبي معاً. في المقابل لا تملك تركيا ترف الاعتماد الحصري على تركمان العراق، لتتمكن من لعب دور وازن في المعادلة الداخلية العراقية إزاء الدور الإيراني المرشح للتعاظم. ولا يمكنها إقامة تحالف راسخ مع كرد العراق من غير تغيير سياستها الكردية في الداخل، الأمر الذي يبدو مستبعداً بالنظر إلى الأداء السياسي لحزب العدالة والتنمية الحاكم في الآونة الأخيرة، المتسم بمزيد من التناغم مع المؤسسة العسكرية ومزيد من تلون خطابه السياسي بالصبغة القومية التركية النابذة للتنوع الداخلي. وأبرز الأمثلة على ذلك تصريحات أردوغان ووزير الدفاع في حكومته وجدي غونول، في الأسابيع الأخيرة، حيث قال الأول: «من لا يحب هذا البلد فليغادره!»، وقال الثاني إن الدولة الأمة التركية لم يكن لها أن تقوم لولا تخلص تركيا من مواطنيها الأرمن واليونانيين في العقدين الأولين من القرن العشرين.

ستكون تركيا إذن أمام خيارين، في عراق ما بعد أميركا، هما التقارب مع الحكومة المركزية في بغداد، على حساب السلطة الفدرالية في إقليم كردستان، أو التقارب مع هذه الأخيرة على حساب علاقتها ببغداد. ولكل من الخيارين أثمانه، فيعني الأول استمرار الاستعصاء في حل المشكلة الكردية الداخلية، مقابل علاقات جيدة مع الجوار العربي؛ في حين قد ينطوي الخيار الثاني على مكاسب استراتيجية بعيدة المدى، مقابل علاقات متوترة مع الجوار العربي. لا تبدو تركيا المنشغلة بتوتراتها الداخلية الدائمة مستعدة للمغامرة بالاستثمار في «النتوء الكردي»، الأمر الذي يرجح استعادة الدول الرئيسية المجاورة لكردستان العراق (العراق وإيران وتركيا) تنسيقها الأمني التقليدي ضد الكيان الكردي.

لكن لهذا السيناريو ثمنا باهظا بالنسبة للدولة العراقية الجديدة، يتمثل بالعودة إلى المواجهة الداخلية الدامية واستعادة الديكتاتورية الفظة في عباءة شيعية. هل يمكن للعراق أن يدفع هذا الثمن الباهظ على الضد من تيار التاريخ لقاء نتائج غير مضمونة، فضلاً عن العامل الدولي الذي لا يمكن أن يبقى محايداً أمام استعادة الاستبداد واحتمال الحرب الأهلية؟

تعدد القوى الفاعلة في المعادلة الداخلية العراقية، وانكشاف العراق ساحةً لتضارب المصالح وتصفية الحسابات، لا يعدان بانتقال سلس إلى عراق جديد.

* كاتب سوري.

designed by Dengê Kobanê
© www.dengekobani.net [2008-2009]
info@dengekobani.net