ليس للحزب الكوردي إلا البيانات
الكاتب/ ريزان مصطفى
يسجل عام 2008 انكفاء الحزب السياسي الكوردي على نفسه، واستسلامه الذي يكاد يكون
مطلقاً لتعليمات الأجهزة الأمنية ومكتب الأمن القومي للبعث الحاكم، وهو أمر باعث
على القلق من جهة، وينفي من جهة أخرى جدوى بقاء الحزب السياسي الكوردي على قيد
الحياة، ما دام قد امتثل لآليات القمع الأمنية، ورضي بالخطوط الحمر، وقلَّص
أنشطته إلى الحدود الدنيا، وأعاد الانتشار بجدارة في جريدته المركزية وتصريحاته
الإنترنيتية، التي نادراً ما تصل إلى كائن آخر خارج الحزب المصدر لها.
آية ذلك، والدلالة العيانية على ذلك، طلاق تلكم الأحزاب لأيِّما حراك في يوم
ذكرى الإحصاء الاستثنائي، الذي جُرِّدَ بموجبه آلاف السوريين الكورد من جنسيتهم
السورية، وكذلكم الأمر في الأيام السابقة واللاحقة له، وهو ما يسجل قطيعة سافرة
مع نشاطات تلكم الأحزاب في السنين السابقة، حين كانت تنظم اعتصامات وتظاهرات
سلمية مبتسرة في العاصمة دمشق، أو في مدينة قامشلي السورية الشمالية، في تحدٍ
واضح لهراوات ورصاص الأجهزة الأمنية، والترتيبات السلطوية الضاغطة، واجتياح طلبة
بعثيين جامعيين (جماعة الله. سورية. بشار وبس) مغرر بهم للاعتصامات تلك، ولا
يُفهم أي سبب لنكوصية تلكم الأحزاب وتواريها، ما دام الحال القمعي السوري
المُبرمِج على ما هو عليه، ولا تشهد البلاد تغييراً سوى نحو الأسوأ، تتكثف فيه
وضعية الدولة العدو للمجتمع، وتحولها إلى ذات أجنبية مغايرة استعمارية.
وإذا كان الاكتفاء بإصدار البيانات وحدها، دون اللجوء إلى أي من أوجه النشاط
السلمي الديمقراطي العملية، يُفيد بدخول الحزب السياسي الكوردي إلى طور من
الجمود السياسي، فإنه يفسِّر أيضاً دخول الحزب السياسي الكوردي إلى حالة من
الانسداد السياسي بلا أفق، وليس في نهاية نفقها ضوء، والتسليم ببقاء النشاط
السياسي في قبضة الأجهزة الأمنية السورية وتحت رحمتها، ما ينفي عملياً الحاجة
إلى حزب يسكن في البيانات والتصريحات، منسحباً من الشارع، ميدان الحراك السياسي،
وبالتالي منسحباً من تمثيل الكتلة المجتمعية.
لذلك أسبابه، لتنسك الحزب السياسي الكوردي في صومعة السلطة اللوياثان وامتثاله
لمواعظها وإملاءاتها أسبابه حتماً، فالشهر الأخير من العام المنصرم وعام 2008
إلى تاريخ هذه الكتابة، يشهدان مختلف أنواع التدمير للمجتمع، والقوى السياسية
الممثلة لجانب منه، حيث أصبح الخوف المطلق ملك الجميع، في ظل بوليسية قاتلة
تتغوَّلُ أكثر فأكثر، ويرسخ الاستبداد الأمني/ المافيوي جذوره, تاركاً المجتمع
وكل أشكال الاختلاف والحالات الفروقية في مهب الريح, وأقبيته الأمنية، ومحاكمه
المخالب المدجنة بإمتياز لقيادة المجتمع وبذور الاختلاف نحو القبول الجبري
بالشمولية الأحادية الإطلاقية، حيث لا إمكان للحوار، أو النقد، أو المراجعة، أو
تحقيق أيما نقلة نوعية أخرى، ولا مكان في سورية الراهن سوى للإكراه، وغياب
الديمقراطية، ومأسسة الفساد، وقوانين الإله/ صاحب الظل الطويل، وتجاهل مبادىء
التداولية والتناوبية والمساواة والمواطنة وسيادة القانون، وهي في الجملة أمورٌ
موجودة منذ عقود، وتتكثف أكثر كلَّما عتق نظام الأسد، فلماذا هذا المدُ والجزر
الذي يتناهب الحزب السياسي الكوردي؟
رصد تعامل الأحزاب الكوردية مع ذكرى الإحصاء الاستثنائي في الأعوام الأخيرة،
كفيل بتبيان انحدار هذه الأحزاب، ونزول خطها البياني إلى الهاوية رويداً..
رويداً، واكتفائها بإصدار البيانات فقط، والتي لا تصل في أحسن الأحوال سوى إلى
بضعة آلاف من الكورد، في ظل انعدام تغطية الشبكة الحزبية الكوردية لغالبية المدن
والأرياف، وانهماكها بشؤونها الحزبية الداخلية أكثر من أي شأن خارجي (خارج الحزب
طبعاً)، ولكي تكون مقاربتنا واضحة، فإننا نعرض لتعامل الأحزاب الكوردية مع ذكرى
الإحصاء الاستثنائي في الأعوام 2006 و2007 و2008، وهو رصد كفيل بإبراز مدى تراجع
الأداء الحزبي الكوردي، واختياره السكوت في مواجهة فقه الإخراس الأمني، المتسلط
على البلاد والعباد، ورضوخه بالتالي للخوف والتهديد الذي تمثله أدوات السلطة.
ففي 2006 دعت الأحزاب الكوردية التالية: حزب يكيتي، حزب أزادي، تيار المستقبل،
الهيئة العامة للتحالف الديمقراطي والجبهة الديمقراطية الكردية، الذين يضمَّان
ثمانية أحزاب كردية إلى اعتصام أمام مجلس الوزراء السوري في دمشق، وشاركهم
الاعتصام عدد من أحزاب المعارضة السورية، وشخصيات وطنية عربية سورية، وانتهى
الاعتصام بتفريق قوات الأمن لهم، وهو أمر مشابه تماماً لما جرى في 2005.
وفي 2007 اكتفت غالبية الأحزاب الكوردية بإصدار البيانات، التي تتضمن دعوات
للسلطة إلى حلّ مشكلة المجرَّدين من الجنسية السورية، فيما دعى أحزاب لجنة
التنسيق الكوردية (حزب يكيتي، حزب آزادي، تيار المستقبل) مضافاً إليها الحزب
اليساري الكوردي إلى تجمع سلمي، ولكن في دوار الهلالية بقامشلي، وليس في دمشق
العاصمة كما جرت العادة، هذا التجمع الذي تم في دوار الهلالية في موعده المقرر،
شهد منع خير الدين مراد رئيس حزب آزادي إلقاء سكرتير الحزب اليساري الكوردي
"محمد موسى" لكلمة حزبه في التجمع، وذلك على خلفية الخلافات الشخصية فيما
بينهما، كما أن لجنة التنسيق لم تتمكن من التفاهم والاتفاق مع حزب الاتحاد
الديمقراطي على إقامة تجمع واحد بدلاً من تجمعين، وهو أمر بديهي، إذ أن حزب
الاتحاد الديمقراطي يعتبر حالة خاصة وخارج كل إجماع أو اتفاق لأسباب عديدة، لسنا
في وارد التطرق إليها هنا.
في العام الحالي – 2008 - اكتفت غالبية الأحزاب بالتجمع والاعتصام في متون
البيانات والتصريحات والجرائد المركزية (الميني جوب)، وإن كانت مختلف البيانات
الصادرة تبدو مكررة ومعادة ومحفوظة من ذكرى سابقة، إلا أن لجنة التنسيق
الكوردية، ومعها حزبا اليساري الكوردي والبارتي (جناح نصر الدين إبراهيم)،
اختارت أن تكون خارج السرب في صياغة البيان المشترك، إذ ختمت البيان بتأكيد
استمرارهم في ممارسة "مختلف أشكال النضال الديمقراطي السلمي، رداً على مجمل
السياسات والمشاريع العنصرية المطبقة" بحق الشعب الكوردي، وأمام هذه العبارة
الاستثنائية التي خُتِمَ بها البيان المشترك لتلكم الأحزاب، يحقّ لنا التساؤل –
نعتبره تساؤلاً مشروعاً – عن مفهوم النضال الديمقراطي السلمي لدى الأحزاب
الموَّقعة على البيان والأحزاب الكوردية الأخرى، هل هو انسحابها من الشارع
وتخليها عن المسيرات والتظاهرات والاعتصامات، وهي أمور في لبِّ النضال
الديمقراطي السلمي، أم أن ذلكم النضال لا يعني لديها سوى إغداق البيانات على
المجردين من الجنسية وغير المجردين منها، أفلا تعلم تلكم الأحزاب المرهقة
والخائبة والخائفة أن النظام سيجرِّدها غداً من إمكان إصدار البيانات أيضاً، إذا
ما استمر الوضع على ما هو عليه، وإذا ما استمر سيناريو تقهقر الأحزاب الكوردية
خاصة والسورية عامة.
جملة أمور أسهمت بقسط وافر في لجوء الأحزاب السياسية الكوردية إلى تغليف أنشطتها
وحجبها ذاتياً، وذلك عبر قراءتها لردود فعل أجهزة السلطة على الحراك العام في
البلاد، ذلك الحراك الذي لم يرتق إلى مصاف الطموح، ولم يتجذَّر في البنية
المجتمعية بعد، فأوضاع الحريات لم تتحسن، بل ازدادت سوءاً منذ كانون الأول/
ديسمبر 2007 وإلى الآن، فأمام تصاعد القمع الأمني، لا تجد الأحزاب السورية
(ومنها الأحزاب الكوردية) سوى الانسحاب إلى الهوامش الضئيلة (العبودية في مواجهة
الاستبداد)، ما دامت لا تستطيع تفكيك الخوف المتسيد.
من تلك الأمور المُقلِّصة للحراك الحزبي، ما شهده عام 2008 كوردياً من اعتقالات،
شملت قياديي الصف الأول في بعض الأحزاب الكوردية، كاعتقال سكرتير الحزب اليساري
الكوردي محمد موسى، واعتقال الناطق باسم تيار المستقبل الكوردي مشعل التمو الذي
يُحاكم بتهم خطيرة ملفقة، واعتقال عمران السيد عضو مكتب العلاقات العامة في تيار
المستقبل الكوردي، واعتقال عضو المنسقية العامة للوفاق الديمقراطي الكردي السوري
طلال محمد المحمد، واعتقال عضو الهيئة القيادية في حزب آزادي الكوردي بشار أمين،
واعتقال عيسى حسو وآخرين من المجلس السياسي لحزب الاتحاد الديمقراطي وقضائهم
عقوبة سجن عرفية لمدة سنة، واستمرار ملاحقة صالح مسلم مسؤول حزب الاتحاد
الديمقراطي في سورية، وهو متوار عن الأنظار منذ سنة تقريباً، وهروب عضو اللجنة
المركزية في حزب البارتي بيير رستم من البلاد بعد إطلاق سراحه من قبل الأمن
الجوي في شهر مارس / آذار المنصرم، وهي اعتقالات تركزت على قمة الهرم في أحزاب
كوردية، بعد أن كانت القاعدة المتبعة أمنياً خلال السنوات الماضية هو اعتقال
حزبيين عاديين وكوادر حزبية غير معروفة.
يفهم من ذلك، أن أجهزة السلطة غيَّرت من قواعد اللعب التي كانت معتمدة في
السابق، وبدأت باللعب في ساحة القياديين، ومن شأن ذلك – وهو ما يحدث فعلاً –
إحداث نكوصية وارتكاس في النشاط الحزبي، وبالتالي إعادة تلكم الأحزاب النظر في
سياساتها وأنشطتها، ومراجعة حساباتها، والنأي بنفسها عن أيّ فعل قد يُقرأ من قبل
أدوات السلطة وأجهزتها على أنه تماد وتجاوز للخطوط الحمر، ما يشكل في عرف
الأحزاب الكوردية مجازفة غير محسوبة، سيما وأن العديد من قياديي الأحزاب
الكوردية في سورية يكررون شفاهاً ودائماً أنهم ليسوا في وارد الانتحار ومقارعة
السلطة (ديمقراطياً)، وأن الشارع الكوردي ليس جاهزاً، وأنهم ليسوا مستعدين
للتضحية بالكورد من أجل الشأن العام في البلاد، ولا يريدون الاصطدام ببلدوزرات
ومداحل السلطة.
ولا شك أن تعليمات مكتب الأمن القومي لحزب البعث الحاكم الصادرة قبل أشهر، والتي
تمنع أي نشاط كوردي، لعبت - أيضاً - دورها في تطويق الحالة الحزبية الكوردية،
فمن الملاحظ أن غالبية الأحزاب الكوردية قد رضخت لها، وفي طليعتها حزب الاتحاد
الديمقراطي، صاحب الكتلة الجماهيرية الأكبر، إذ تقتصر تظاهرات هذا الحزب في
الآناء الأخيرة على عشرات فقط من المشاركين، وخلو تلك التظاهرات من رفع الأعلام
والصور، بل أن الحزب المذكور تأخر هذا العام في الاحتفال بذكرى انطلاقة الكفاح
المسلح لحزب العمال الكوردستاني التي تصادف 15 آب/ أغسطس من كل عام، وكانت
الاحتفالات التي جرت في بعض المناطق الكوردية السورية – وليس كلها - متأخرة عن
الموعد بنحو أسبوع أو أكثر، وكانت - كذلكم الأمر - محدودة للغاية، ولا بد من
القول ها هنا إن الغالبية العظمى من أنشطة حزب الاتحاد الديمقراطي هي تضامنية مع
حزب العمال الكوردستاني وما يجري في تركيا، ونادراً ما ينظم الحزب نشاطاً يصب في
خانة النشاط العام في سورية، رغم أن السلطة السورية تعتبره مصدر الإزعاج الوحيد
لها.
ختاماً، لا بد من التبيان، أن خصنا انكفاء الحزب الكوردي في الآونة الأخيرة
بهذه القراءة، لا يعود إلى أيما غاية، إلا تفسير حالة، فالحزب السياسي الكوردي
لا يعدو أن يكون عضواً في جسم سياسي سوري عام
خارج السلطة، مستهدف بعصا السلطة ومطرقتها وأجهزتها وأقبيتها ومحاكمها الأمنية