خرافة الوحدة

في حزب يكيتي الكردي السوري

عبد الله قنديل – ناشط سوري / ‏الإثنين‏، 08‏ حزيران‏، 2009

نأمل قبل كل شيء أن لايفهم ابداؤنا لرأينا في شؤون الحركة الكردية السورية تدخلاّ في أمور لاتعنينا، فنحن نعتبر الحديث عن أي فصيل سوري، عربي أو كردي أو من سائر الأقليات القومية والدينية، تعبيرا حرا وديموقراطيا، كما نتقبّل الرد على رأينا في مختلف المسائل السورية اثراء للحوار بين السوريين، لابد منه لتطوير ثقافتنا الديموقراطية التي يجب أن تظل في اطار خلقي رفيع....

لم يتمكن أحد من الضحك حتى اليوم على الشعب الكردي بقدر حزب يكيتي الذي تكوّن في الأصل من توحيد مجموعات يسارية ووطنية كردية سورية انفصلت وانشقت عن بعضها في مراحل سابقة لأسباب شبه تافهة، حيث لم تكن هناك اختلافات جذرية فيما بينها، لا في الفكر ولا في الممارسة ولا في العلاقات، ثم اقتربت من بعضها كرد فعل على اعلان حزب العمال الكردستاني لموسم الحصاد السياسي، وتمكّنه من حصد آلاف الأتباع والأشياع لمختلف فصائل الحركة السياسية الكردية وقواعد الحزب الشيوعي التي كانت منتشرة بين الشعب الكردي السوري آنذاك، وزجه للشباب الكردي تحت يافطات "كردستانية" برّاقة في الحرب ليس ضد الحكومة التركية فحسب، وانما ضد الحركة السياسية في كردستان العراق أيضا، بدعم وطلب خاص من نظام حافظ الأسد الراحل...

وظهر من جراء التقارب القسري بين المجموعات اليسارية حزب الوحدة الديمقراطي الكردي (يكيتي) الذي لم يمر وقت طويل على اعلانه البطولي عن "الوحدة: الضرورة التاريخية" حتى انشق على نفسه شاقوليا لأسباب عديدة، معظمها تعود إلى عدم نضوج الوعي الديمقراطي في التنظيم الكردي، والاستهتار الأخرق لبعض القياديين الكرد بالمصلحة القومية الكردية بدوافع حزبية وتحزب طائش لايخدم إلا أعداء الكرد من شوفينيين وعنصريين ودكتاتوريين...

ومنذ ذلك الحين وإلى اليوم لم تجر عملية نقد ذاتي شاملة في حزب يكيتي، سواء في الجناح الذي يقوده السيدان (اسماعيل عمر ومحي الدين شيخ آلي) أو في الجناح الآخر الذي يقوده السيدان (حسن صالح وفؤاد عليكو)، وقد ينفعل الطرفان جدا لايرادنا أسماء هؤلاء فقط، لأنهم سيؤكدون على "القيادة الجماعية الواسعة" للحزب، وسيرفضون مقولة "جناح فلان وفلان"، ف"الحزب" لديهم بخير والتنظيم لايقوم على أساس الضابط الفردي وانما الكلي المشترك... ولكن الحقائق التي نراها على وجه الأرض تدفعنا لاستخدام تلك المقولات التي لايحب سماعها من في ادارة حزب يكيتي (واحد) ويكيتي (اثنان)... وفي الوقت الذي لانرى فيه أي ممارسة جادة تدل على أن نقدا ذاتيا جرى في هذين التنظيمين اللذين يستخدمان مصطلح "يكيتي" ظلما وعدوانا، فإن القيادتين أو الجناحين حاربا كل الأصوات الناقدة، داخل التنظيم وخارجه، واكتفيا بالاعلان عن وجود "هامش الرأي الآخر" الذي لم يكن في الحقيقة سوى مدح في صورة قدح للقيادتين، ولم يتسع ذلك الهامش في يوم من الأيام ليتطرّق إلى صلب السياسة الجوهرية للحزبين اليكيتيين...والشعب الكردي لايسعى من أجل "هامش ديموقراطي" بل من أجل "سوريا ديموقراطية" على كل الصفحة السياسية التي يناضل عليها...

واليوم، نجد مع الأسف انزلاقا واضحا للعيان في جناح السيدين حسن صالح وفؤاد عليكو، بل تناقضا لايمكن تجاهله في سلوك هذا الجناح الذي يتبجّح بأن النظام يسلّط عليه من حمم بركانه القمعي أكثر من التنظيمات الكردية الأخرى، ولكنه ينشر معلومات عن "الافراج عن العضو القيادي (.....) للحزب" في ذات الوقت...أي أن هذا الانسان المفرج عنه معروف لدى السلطة بانتمائه لحزب يكيتي الكردي "المعارض"، في الوقت الذي يشدد فيه النظام قبضته ورقابته على السيد (...) في السجن لأنه قال قولا معارضا للنظام ووشى به أحد السجناء...

هذا التناقض الصارخ يرينا بأنه يحلو لحزب يكيتي تسمية نفسه ب"المعارض" رغم أن النظام يعتقل بعضا من أعضائه أو يحكم عليهم ويفرج عن بعضهم  الآخر في الوقت ذاته... فهل يمكن القول بأن النظام البعثي الشرس صار ديموقراطيا أو يتعامل مع حزب يكيتي أيضا من باب الرحمة والشفقة على أحزاب معارضة؟...الجواب عند السيدين حسن صالح وفؤاد عليكو وقيادتهما الجماعية....

من ناحية أخرى، يبارك الأستاذ حسن صالح النشاط الاحتجاجي لتنظيم أوروبا لحزب يكيتي أمام محكمة العدل الدولية ويعلن تأييده لما قام به التنظيم، إلا أنه يتبرأ من أي علاقة لحزبه بهذا التنظيم، ويعلن مسؤوليته (فقط) عن الاحتجاج اللطيف الظريف لتنظيم آخر في أوروبا تابع لحزبه أمام السفارة السورية في تلك الأيام ذاتها، والأعمى فقط لايرى الفارق الواضح بين النشاطين الاحتجاجيين. فالأول كان صارخا ومطالبا "العامل الأجنبي" بقوة بتحقيق دولي في اغتيال الشيخ الشهيد محمد معشوق الخزنوي والآخركان يطالب فقط بتحقيق عادل في القضية ذاتها، دون اشارة إلى "دولي أو غير دولي"، ويحمل أمام "عامل داخلي: سفارة سوريا" عبارات مبهمة كهذه (سوريا بلد مشترك لكل القوميات والأقليات...)، فالبعثي الموتور والمعادي تماما للتغيير أيضا لايجد حرجا في حمل تلك اليافطة...

هنا يتبادر إلى ذهن المراقب السياسي هذا السؤال:

"هل السيدان حسن صالح وفؤاد عليكو يرسلان فرسين إلى السباق معا، كل منهما يحمل مواصفات مختلفة؟"

وهذه ليست سياسة "بنت اليوم"، وانما تعود إلى عام 2003، حيث وقف السيد عبد الباسط حمو الذي يعتبر من قادة التيار المتمرّد على أوامر قيادة يكيتي ليعلن في ندوة عامة شاركت فيه كل الأحزاب الكردية السورية آنذاك (في مدنة بون الألمانية) بأنه مع اقامة علاقات لحزبه مع العالم الخارجي السياسي والديبلوماسي، وأرسل من ينوب عن حزبه إلى واشنطن من أجل المشاركة في الحوار الدائر آنذاك بين أطراف كردية وعربية سورية لاقامة "التحالف الديموقراطي السوري"، في حين وقف السيد أحمد علي ليعلن كممثل عن حزب اليكيتي في ذات الجلسة بأن حزبه "المعارض الوطني" سيحمل السلاح دفاعا عن تراب سوريا في حال اقدام أمريكا على احتلالها، أي أنه استخدم "جوكر" الوطنية السورية للتأكيد على أن حزبه ليس مع هكذا مغامرة للمعارضة لعلمه بأن اقامة تحالف ديموقراطي سوري في واشنطن بالذات سيثير حفيظة النظام السوري وقد يجري اعتقالات واسعة في صفوف حزبه في البلاد...

فهل يلعب حزب يكيتي بورقتين متناقضتين في كل مناسبة أم أن هناك شرخا حقيقيا في الفكر السياسي له، تمتد المسافة بينهما امتداد الطريق بين السفارة السورية في برلين ومحكمة العدل الدولية في لاهاي...؟

وإذا كان الجواب : نعم، إن هناك شرخا تنظيميا وفكريا (سياسيا) في حزب يكيتي، عندها يمكن القول بأن هذا هو الشرخ السياسي الحقيقي في صلب الحراك السياسي الكردي بعد 1965، حيث ظهر آنذاك أول انشقاق بين اليسار واليمين في الحزب الكردي...

إن التأكيد الذي أصدره حزب يكيتي بحق تنظيمه المتمرّد في أوروبا لن يضر أحدا بقدر ما سيضر يكيتي ذاته، ولكن يبدو أن بعض الذين يقودون هذا التمرّد السياسي الجريء ويبغونها انفتاحة سياسية كبيرة على العالم الخارجي وبجرأة تامة يخافون من أن تخليهم عن اسم "يكيتي" سيجرفهم نحو الأسفل، في حين أن بقاءهم في هذا الوضع معلقين برباط وهمي بالحزب الذي يرفضهم، انما يشبه وضع الصبي الذي أمسك باللص "مع الاحترام التام لكل منتسبي يكيتي" رغم ضربات اللص له فسأل أباه عما يجب أن يفعله فقال له اتركه يابني، فأجاب: أنا أتركه ولن هو لايدعني حرا يا أبي...

في الحقيقة إن مشروع "الوحدة التنظيمية" الذي ظهر على شكل "يكيتي" ثم تحول إلى "يكيتي -1" و "يكيتي -2"  قد فشل فشلا ذريعا، حيث يمكن اضافة رقم 3 إليه ليصبح "يكيتي -3"، وهذا يذكّرنا بوضع (البارتي 1 والبارتي 2 والبارتي 3) ... والحبل على الجرار... وكما أن ليس هناك أي مبرر سياسي يمكن تصديقه لانشقاقات البارتي المزمنة، فليس هناك مبرر لتفكيك فكرة "يكيتي" بهذا الشكل المؤذي...

وهنا لايستطيع أحد اقناع الشعب الكردي بهذه "المسخرة الطويلة الأمد" بأن النظام البعثي وحده وراء انشقاقات الحركة الكردية، ويجب الاعتراف كرديا بأن هذه الحركة التي تمثلّه ليست ديموقراطية ولن تصبح ديموقراطية مالم تكن الممارسة اليومية فيها ديموقراطية حقيقة... طبعا هذا الوضع ينطبق على مختلف فصائل حراكنا السوري المعارض أيضا، ولكن يبدو أن الكرد يتميزون في هذه الناحية عن غيرهم لجملة من الظروف الموضوعية والذاتية التي يتعلق بعضها ب"الشخصية الكردية" التي ستكون موضع رأي ودراسة لنا مستقبلا... وسنعود قريبا إلى ما بدأنا به – إن شاء الله– فالمفاهيم الخاطئة تنجب سياسات خاطئة...

 
 designed by Malpera dengêkobanê
Copyright ® www.dengekobani.net [2008-2009]
info@dengekobani.net